الخطيب الشربيني

33

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 70 إلى 77 ] إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 70 ) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً ( 71 ) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ( 72 ) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً ( 73 ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ( 74 ) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً ( 75 ) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ( 76 ) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً ( 77 ) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ من البيتوتة قال الزجاج : كل من أدركه الليل قيل : بات وإن لم ينم كما يقال : بات فلان قلقا والمعنى يبيتون لِرَبِّهِمْ أي : المحسن إليهم سُجَّداً على وجوههم في الصلاة وقدّمه لأنه أنهى الخضوع ، وأخر عنه قوله تعالى : وَقِياماً أي : على أقدامهم وإن كان تطويل القيام أفضل للروي ، وتخصيص البيتوتة ؛ لأن العبادة في الليل أشق وأبعد من الرياء ، قال الزمخشري : والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره ، وقيل : من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجدا وقائما ، وقال ابن عباس : من صلى بعد العشاء ركعتين فقد بات ساجدا وقائما ، وقيل : هما الركعتان لركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء ، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « من صلى عشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة ، ومن صلى الصبح في جماعة كان كقيام ليلة » « 1 » . ولما ذكر تعالى تهذيبهم للخلق والخالق وصفهم الله تعالى أنهم مع ذلك خائفون وجلون وهي الصفة الرابعة بقوله تعالى : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أي : المحسن إلينا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ قال ابن عباس : يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول ، ثم علل سؤالهم بقوله تعالى : إِنَّ عَذابَها كانَ أي : كونا جبلت عليه غَراماً أي : هلاكا وخسرانا ملحا لازما لا ينفك عنه كما قال « 2 » : إن يعاقب يكن غراما وإن يع * ط جزيلا فإنه لا يبالي ومنه الغريم لملازمته وإلحاحه فهم يبتهلون إلى الله تعالى في صرف العذاب عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقهم على استمرار أحوالهم . ولما ثبت لهم هذا الوصف أنتج قوله تعالى : إِنَّها ساءَتْ أي : تناهت هي في كل ما يحصل منه سوء وهي في معنى بئست في جميع المذام مُسْتَقَرًّا أي : موضع استقرار وَمُقاماً أي : موضع إقامة . تنبيه : ساءت في حكم بئست كما مر ففيها ضمير مبهم يفسره مستقرا ، والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقرا ومقاما هي وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبرا لها ، ويجوز أن تكون ساءت بمعنى أحزنت ففيها ضمير اسم إن ومستقرا حال أو تمييز والتعليلان

--> ( 1 ) أخرجه الدارمي في الصلاة حديث 1224 . ( 2 ) البيت من الخفيف ، وهو للأعشى في ديوانه ص 59 ، ولسان العرب ( غرم ) ، ومقاييس اللغة 4 / 419 ، وتاج العروس ( غرم ) ، وبلا نسبة في تهذيب اللغة 8 / 131 ، والمخصص 4 / 62 ، و 12 / 98 .